I Hate the Past but It Seduces Me

courtesy Nabila Issa & The Society of False Witnesses
ما زلت أبغض الماضي وما زالت تجذبني ٢٠١٦،١٩٦٦
نبيلة عيسى أو نادي شهود الزور
كنت الأخيرة والمتأخرة. ذات يوم، دعاني أصدقاء في بيروت لاستكن منزلهم فاعود. كمنت عن الانتظار واتيت فورا. في كل صباح، كنت اترقب سماع راديو قريب. كان الراديو يدور، كنت اسمعه لكن الجهاز لم يكن يتكلم. شعرت كما لو كانت ارتبطيته متوعكة فانتظرت يوم آخر بلا أن استمع. قاطعت الاتصال وفتحت غطاء الحاسوب.
"آه، ماذا أقول، هل أنت حرجة!!؟”، سألت الإنترنت باهتياج وتردد وانصرفت لقراءة الأنباء المطبوعة. فاز مكب بحري، تعثرت بالاتصال مجدداً وطمر الوطن. هل وصل الإنسان إلى القمر ؟ لا آبه، لأن عندما أموت، سأنتقل لأعيش مع الزبالة. اقرأ عن كيف انتقلت الأمّة الى تحت الأرض حيث الحدود عمودية والبوصلة معطلة، عظيم! لا تبحثوا عن الوقت فهذا المدار شمس مغلّفة والحياة لا تنتهي هناك حتى تختفي الأرض. أحصل على إجابات كثيرة ولكن أبداً ما اريد.
وجدت الألعاب الحربية وحيدة لا طعم ولا لون ولا رائحة لها.. ما زالت تحب الأحزاب الأسماء وما زال مراد العسكر أن يكون غفيل الإسم كلما خرج عن الاحتفالية. يا مصمخمطين وأنا مالي. اشاهد المنطقة المخرّمة ولا أرغب بالدخول. يبدو أنها خالية ويومية مثلي أنا. اشتشعر بزمنٍ آخر. كلمات الحث والدلال تدندن بأذني، شذرا مذرا، أنا صوت الآلة. تخلو الأيام عندما تموتين. لكنني لست ميّتة. إنني مسجّلة. اعيد الكلمات نفسها مرارا وتكرارا. إنه أمر بسيط. صوتي معفى من الكلمات الجديدة، لكنني لست بميّتة. اغلبهم يعيش مع هذه المناعة فربما يظنون أنني ما زلت على قيد الحياة. ما هم.
اتذكر كيف لم ادر من أين أتاني ذاك الزهو والعنفوان حين حمل لي عتال إنكليزي أمتعتي ووضعها بتأنٍ في سيارة التاكسي، وأعطيته بخشيشاً.. ولكن بحياء..
ماذا؟ خادمها إنكليزي أشقر؟! فأنا لا اعرف الإنكليزي في فلسطين إلا حاكماً، سيداً تُطاع أوامرُه. بإشارة منه يقفون، وبإشارة منه يسجنون. يأكل الخبز الأبيض، ونحن نأكل الأسمر المزرق. يشرب زهرة الشاي بعد الظهر باحتفالية مع الزبدة والمربى، ونحن نشرب عيدان الشاي صباح مساء، مع الزيت والزعتر والقليل اليسير من الجبن..
"لا تكثروا من الجبن يا ستي، فهو يدوّد المعدة، أما الزعتر فيجلو العقل.."
كلام الجدة غير قابل للنقض، فهي العلامة الفهامة ولا أحد يجرؤ على نقاشها. ورغم أمّيتها، تختزن كنزاً من الأمثال والأقوال والأفعال لكل الحالات: في الحالة الاقتصادية، هي مقنعة للإقلال من الجبن واللحوم والدهن للتوفير والتدبير. وصارت القناعة عادة عند بعض الأحفاد، فما زلت وقد أصبحت أنا جدة، افضّل الخبز الكثير والجبن القليل.
في الحالة الصحية، لا بد من شربة زيت الخروع الشهرية لتنظيف الجهاز الهضمي وإبقاء آلات الهضم على لياقتها، وحين يحتج أحد الأحفاد على بشاعة طعم الخروع وصعوبة بلعه، تنزل الكفوف على الجميع بالتساوي، ربما استبقت هذه الجدة عصرها وعملت ما يعمله الحكم في أميركا الآن من تهذيب المحتجين ومن يمكن أن يحتجوا يوما ما، بالتجويع والتخويف إن أمكن، وإلا فبالضرب.
في الحالة الاجتماعية، على الزوجة أن تبذل كل جهد للحفاظ على وضعها ولا محل لمشاعرها. فمن أقوالها المرددة: "لقمة الجوز مجمّرة، ما بتاكلها إلا كل مشمّرة". ربما سكن هذا القول في لاوعي نبيلة حين تخلّت عن عملها الإعلامي في بيروت وحملت طفلتها إلى جدة للالتحاق بأمين في عمله الإعلامي هناك. كتبت له وأنا استعد للسفر، "أتوق لقضاء الوقت معك على ضفاف البحر الأحمر"..
ولم اكن ادري ما الذي ينتظرني على ضفاف البحر الأحمر. وحدة، وحر، وتهميش لمن هي، أنا. هو في الخارج كل النهار ومعظم الليل، الشقة بعيدة ولا تكييف فيها والحرارة خمسون، وهي.. هي بلا صوت ولا فعل، ممنوع أن تعمل فصوتها عورة.. ممنوع أن تخرج من البيت إلا برفقة رجل.. حتى المعرفة كبّلتها الممنوعات، فحين سمعت إذاعة لندن تذيع نبأ زيارة الملك حسين المرتقبة إلى المملكة العربية السعودية، سألت أمين لدى عودته: متى يصل الملك؟ واستغرب سؤالي وقال، "كيف عرفت؟ مفروض ألا يعلن عن الزيارة".. "وهل تظن أن تعتيمكم على الأحداث يلغيها؟ أذاعت الخبر إذاعة لندن في نشرتها المسائية، ولم تشر إطلاقا إلى سريته".
ومضت الأيام والأسابيع قاحلة كصحراء، إلى أن زارتني ذات يوم جارة تخبرني أن معلّمتها في القدس فتحت مدرسة سرّية مخالفة القانون، وأنها عرفت بوجودي في جدة، وتعرض علي أن اعلّم ساعتين في اليوم. أغراني العرض لحاجتي للكلام، لسماع صوتي وقد غاب عن أذني زمناً طويلا. اتفقت مع أمين أن يؤمّن نقلي من وإلى المدرسة (بيت المعلّمة المقدسيّة) وصرفت ساعات التعليم بفرح، البنات يعرفن مبادئ القراءة والكتابة، فلتغتنمني فرصة لتوسيع مداركهن العقلية، وبناء الثقة في نفوسهن، وتعريفهن بقيمة بلادهن وثرواتها. في آخر الفصل، طرحت السؤال إياه: "من أين تأتي ثروة البلاد؟" وأتاني الجواب مكررا، "من الملك يا أبله". الرحمة.. قلتها في سري وانصرفت إلى بيتي حيث الاتصال الوحيد مع العالم هو الراديو.
اجلس على الكرسي واسمع، ومع مرور الأيام والليالي صارت هي الكرسي. الكرسي مهم، لولا وجوده لظللت العمر واقفة أو على الأرض.. فلاكتب قصيدة عن أهميتي ككرسي في بلاد الرجال ولارسلها إلى مجلة أدبية في بيروت. لا، فليرسلها أمين، فهو وحده المخوّل بالحركة والفعل. إرضاء لها، أرسلها رغم تحسّبه لعواقب نشرها. تحسّبه وتحسّب المجلة التقيا، حملت رسالة الرد اعتذاراً عن نشرها لحساسية الموضوع. ماذا اعمل؟ لا يمكن الاستمرار في هذا الفراغ. وأتاني الحل مفاجئاً حين قررت مديرية البرامج في الإذاعة استحداث برنامج للمرأة. اقترحت على المدير (الأستاذ أمين، زوجها) أن اكون أنا المسؤولة عن برنامج المرأة، "تعرفين أن لا مجال للمرأة في الإذاعة"، قال المدير.
"ماذا لو كتبت النص، وقدّمه رجل؟" قلت طالبة العمل.
"دعيني أفكر"، قال المدير.
انتهى التفكير بالموافقة، على أن تتضمن إحدى فقراته طبق الأسبوع. أنا لا اعرف من فنون المطبخ إلا طعم الأكل، لكنني أحب الفلفل والتوابل وعلى رأسها الكمّون، فليكن الفلفل والكمون في كل طبق أسبوعي حتى الرز. الرز بالفلفل والكمون؟ وطلعت الأصوات المستهجنة فالمحتجة، إلى أن ألغي طبق الأسبوع.. وطار البرنامج. وقررت أن اطير معه. عدت الى بيروت ومن ثم…
هجرة؟! بل هي اقتلاع. فكما اقتلعت من القدس في مطلع حياتي وظلت سنوات اطلب شرعية لوجودي، اقتلعت من بيروت في عز حياتي وظلت سنوات اطلب شرعية لوجودي. وبرغم أن الشعب الأميركي يتكون من المهاجرين، إلا أن عملية التجنيس معقدة ولا تتم إلا بملء مئات الأوراق والشهادات والتحايل القانوني الذي يتقنه محامو الهجرة.
"وتحمل رسالتي، يا ابن الشعر والصدق، رجاء بأن تسهل مهمة محامي، وتزوده بشهادة منك عن موكلته التي ما زالت تبحث عن شرعية لها في أميركا.
وكنت أحب أن نلتقي مع الشاعرة القادمة من وطن القلب، لعلها بعد عودتها من بوسطن تجمعنا كلنا. أشتاق لذلك، فمن زمان لم نضع قلوبنا على الطاولة. أشكرك كثيرا على تجاوبك، ولك كل الحب. نبيلة".
؛درب الرجوع لعنة انتظارك. ربما من الأفضل أن اتابع الخطة السابق، أي صنع خطة
Every time I leave the house, I will give my phone number to everyone I meet on the streets and then leave again. This is how I met George in DC and Jared reached out because they somehow both knew from the start that I always leave twice. I can’t be the last person who stayed in your room, nor can I be the same voice speaking.
وفي يومٍ ما زنّت كلمة العيش في رأسي كالصاروخ. إذن، فمشكلة العيش ليست حكراً علي، يبدو أنها مشكلة عامة. وفي لحظة أحسست أنني أخرج من قوقعتي الذاتية واواجه الحياة بنظرة فيها شمولية أوسع..
